ابن أبي شريف المقدسي

147

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

ضلالتهم ، ولزومه لهم من قولهم بوجوب الأصلح وتفسيرهم الواجب بأنه الذي لا يمكن أن يقع غيره ، ( إذ ) قد ( كان من معلومه تخليدهم في النار ) الذي هو أصلح لهم عند المعتزلة ( ووقوع خلاف معلومه ) تعالى ( محال ) لما مر من استلزامه المحال الذي هو البخل ( فلا تتعلق القدرة به ) أي : بالوقوع المذكور ؛ لما تقرر من أن متعلقها الممكن دون الواجب والممتنع ، فلا يكون قادرا على هدايتهم تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وتعلق القدرة تابع لتعلق الإرادة لما تقرر . ( وقد ) ورد الكتاب العزيز بصحة تعلق الإرادة به ( قال اللّه تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ( سورة يونس : 99 ) ) وقال تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ( سورة السجدة : 13 ) ، وقال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً ( سورة الشورى : 8 ) أي : مهتدين أو ضالين ( إلى غير ذلك من الآيات المفيدة في الاستعمال العربي ) المتعارف لأهل اللسان ( كون مقابل الواقع مما يدخل تحت ) مشيئته تعالى ، فيكون داخلا تحت ( قدرته ) سبحانه و ( تعالى ، وكونه لا يفعله ) أي : انتفاء فعله تعالى له الواقع ذلك الانتفاء ( على موافقة العلم ) بأنه لا يفعله ( لا يسلبه الإمكان الذاتي ) المقتضي لصحة تعلق القدرة به ، ( وذاك ) أي : الذي سلب الإمكان الذاتي فكان ممتنعا لذاته كاجتماع الضدين ( هو الذي لا تتعلق به القدرة ) لعدم صلاحيته لتعلقها ؛ لا لقصور في القدرة ، ( فاستحالته ) أي : استحالة وقوع خلاف معلومه تعالى ( لغيره ) وهو تعلق العلم بعدم وقوعه ( لا لذاته ) « 1 » . والحاصل أن ما امتنع وقوعه لتعلق العلم بعدم وقوعه ممكن لذاته ممتنع لغيره ، وامتناعه لغيره لا يسلبه الإمكان الذاتي المصحح لتعلق القدرة به ، فزعمهم أنه غير مقدور بمعنى أنه لا يصح تعلق القدرة به باطل . ( وليس لهم ) أي : المعتزلة ( في هذا المطلوب ) وهو زعمهم الوجوب على اللّه تعالى ( مستمسك ) بفتح السين ، أي : شيء يستمسكون به ( مستمسك ) بكسرها ، أي : له استمساك ، أي : أدنى قوة ، ( ونحن ) معشر أهل السنة لا ندين

--> ( 1 ) الإمكان الذاتي : هو القدرة على التعلق والتأثير أصلا ، أو كون الشيء في نفسه بحيث لا يمتنع وجوده ولا عدمه امتناعا واجبا ذاتيا ، أو هو التجويز العقلي الذي لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فلو كان العلم متعلقا بشيء ؛ فإن القدرة صالحة لتعلقها ؛ لأن القدرة صفة تتعلق على وفق الإرادة .